اللجوء إلى العقاب الجسدي والنفسي داخل الفصل مؤشر صريح على فشل المدرس


La punition

« لماذا يضربوننا في المدرسة؟ أنا لا أفهم لماذا تعاقبنا المعلمة بالضرب على الأيدي بالقضيب.. أنا أكرهها وأكره المدرسة… ». بهذه العبارات تساءل الطفل الذي لم يكن يتجاوز عمره العشر سنوات والقادم من إحدى مدارس البلدان الأوروبية وولج إحدى المؤسسات التعليمية الخصوصية بعد أن اختارت أسرته العودة إلى المغرب والاستقرار بمدينتها وجدة.  » المعلمات والمعلمون والمديرة في المدرسة الأجنبية يحبوننا ويساعدوننا ويكافؤوننا ».

لا بدّ من الإقرار أنه رغم كلّ المذكرات الوزارية التي صدرت في موضوع منع وتجنب العقاب الجسدي أو النفسي أو أي وسيلة من الوسائل والأساليب والطرائق العنيفة التي يعتقد أنها كفيلة بتقويم  الاعوجاج السلوكي عند الطفل و »ترويضه »، أو « تحفيزه » على العمل والتحصيل،  (رغم المذكرات) ما زال عدد كبير من المدرسات والمدرين سواء في المؤسسات العمومية أو الخاصة يمارسون هذه الأساليب التقليدية في التربية التي تنبذها جميع النظريات العلمية التربوية والبيداغوجية والسيكولوجية الحديثة.

يعتبر المربون المتخصصون في التربية وعلم النفس أن العقاب البدني وسيلة من لا وسيلة له   كأسلوب لردع المتعلم وتقويم سلوكه، لكن سلوك هذا « المربي »  ينم عن ضعفه وافتقاده لأساليب التربية الحديثة من حوار ومناقشة وبحث عن الاسباب، وبالتالي عجزه في القيام بمهمته التربوية وفشله في تحقيق العملية التعليمية/التعلمية.

ويعتبرون العقاب البدني أسهل الحلول وأرخصها لأنه لا يكلف المربي عناء ومشقة التحاور وفي الوقت ذاته لا يوصله سوى لنتيجة واحدة « عدم حل المشكل بل تفاقمه مع العقاب »، إذ أن المتعلم لا يتفاعل مع الضرب والسب كأسلوب لتقويم سلوكه ولكنه يتفاعل معه كاعتداء يمارسه عليه الراشد.

« إننا كأساتذة ومربين مسؤولون إلى حد كبير، على تزكية العداء المجتمعي للمدرسة والمدرس، وذلك باعتمادنا لأساليب التربية الكلسية المتحجرة العقيمة، التي لا تنجب سوى أطفالا حاقدين على المنظومة منذ نعومة أظافرهم ».

يلجأ بعض المدرسات والمدرسين في المؤسسات الابتدائية والإعدادية وحتى التأهيلية  سواء بقناعة أو بحسن نية أو عن جهل إلى طرق وأساليب تقليدية مختلفة ومتنوعة لممارسة العقاب البدني والنفسي قد يلحق أضرارا جسدية بالغة بالمتعلم كما بالمدرس وتتحول إلى جنحة أو جناية يعاقب عليها القانون ويحاكم بها الجاني،  منها عدد من القضايا تتبعها  التضامني الجامعي  ورافع عنها منذ سنوات وهي خير دليل على نتائج وخيمة صدرت عن مدرسين ومدرسات في حالة انفعال وغضب أو جهل.

إن أساليب العقاب المرفوضة تربويا متعددة ومتنوعة ومنها المبتكرة من طرف بعض المدرسين الساديين، وتتمثل هذه الأساليب في الضرب المبرح واللكم والصفع و »الفلقة » والضرب على الأصابع  وعلى الأنامل والأظافر وعلى المؤخرة وإرغام الطفل على الوقوف على رجل واحدة والوقوف وجها أمام جدران القسم في زاوية من زواياه والحجز في مكان مغلق والإهمال والتجاهل وعزله عن باقي زملائه ووضعه في طاولة في آخر الفصل  والحرمان من فترة الاستراحة والإذلال باستعمال الألفاظ القاسية الحاطة من الكرامة وخصم نقط من معدل المادة المحصل عليه  وإرغام التلميذ على كتابة جمل وعبارات لمئات المرات والتشهير به بتعليق عبارات ذلّ واحتقار  على ظهره أو على صدره او إرغامه على حمل لوحة مكتوب عليها ما يحيل على حيوان  وتطويفه على الأقسام وعرض امام التلاميذ في الساحة وإرغامه على القيام بأشغال مهينة وصعبة كتنظيف المراحيض…

ومن بعض الحالات التي عرفت طريقها إلى المحاكم   الضرب بقضيب بلاستيكي، ووفاة بعض التلاميذ نتيجة الضرب، وإصابة عيون بعض التلاميذ، وإدانة بسبب الإقرار باستعمال العنف، وإدانة بسبب ضرب تلميذ ، ووفاة تلميذ بسبب الإهمال وعدم المراقبة، وإيداع أستاذة بمؤسسة للأمراض العقلية بعد الحكم بانعدام مسؤوليتها الجنائية ، ومؤاخذة معلم من أجل الجرح الخطأ، واعتقال ومحاكمة بغرفة الجنايات بسبب إصابة تلميذ في عينه، وإدانة معلم ومعاقبته بالحبس لضرب تلميذه، وحينما يقود التأديب البدني إلى انتقام الأهل وإدانة القضاء، ووصول بعض التلاميذ إلى حالة نفسية سيئة والتعقيد من دراستهم، وخروج بعض التلاميذ من المدارس بعد كرههم للدراسة.

بيّنت جميع أبحاث العلمية والنفسية والتربوية والبيداغوجية أن للعقاب المادي والمعنوي أضرارا خطيرة على المتعلم، إضافة إلى انتشار ثقافة حقوق الطفل والحرية والديمقراطية  والإعلان عن حقوق الطفل في العالم وغيرها، كما انخرطت بلادنا في طرق التربية والتعليمية الحديثة وذكرت وزارة التربية الوطنية ، غير ما مرة، بمنع العقاب الجسدي او النفسي واجتنابه عبر  موضوع « ظاهرة العقاب البدني في حق التلاميذ » (المرجع : المذكرة الوزارية رقم 99/ 807. بتاريخ 23شتنبر 1999).

جاء فيها  » فقد توافد على مصلحة الشؤون التربوية عدد كبير من الآباء والأمهات يشتكون من العقاب البدني الذي تعرض له أبناؤهم داخل المؤسسات التعليمية، سواء من طرف الأساتذة أو من طرف بعض أطر الإدارة التربوية.

ومعلوم أن العقاب البدني لا يمكن أن يكون وسيلة تربوية ناجعة لتعديل السلوك بسبب الآثار السلبية التي يتركها في نفسية التلميذ، سواء على المدى القريب أو البعيد، والحقد الذي يمكن أن يتولد لديه تجاه المدرسة والمدرسين، مما يخلق أحيانا ردود أفعال مختلفة ضدهم من طرف الأطفال وأوليائهم.

وعليه فإنني أذكر بمحتوى المذكرة الوزارية المشار إليها في المرجع أعلاه، وأطلب من السادة المدرسين ورجال الإدارة التربوية اجتناب أي شكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي ضد التلاميذ واللجوء إلى الأساليب التربوية الحديثة لتقويم سلوكهم ».

وذكرت المذكرة المرجع ما لاستعمال العنف والكبت والتسلط من آثار سلبية  خطيرة على النمو العقلي والنفسي للأطفال وعلى استقرار ومردودية المدرسين، فضلا عن تناقض هذه الأساليب مع مبادئ الحرية وحقوق الطفل وثقافة الحوار والانفتاح التي تحرص بلادنا على ترسيخها وتنميتها.

كما طالبت المذكرة الوزارة من النواب الإشراف شخصيا على تنظيم عملية تحسيسية واسعة بمشاركة الطر التربوية تهدف إلى تعريف المديرين والمدرسين والمفتشين بمخاطر ظاهرة العنف بالمؤسسات التعليمية وآثارها السلبية نفسيا وتربويا وأخلاقيا على التلاميذ والمربين على السواء، كما تستهدف حثّ الجميع على التحلي بروح التسامح واحترام الكرامة الانسانية وكرامة الطفل على الخصوص وذلك بتقبل حرية الرأي والتعبير وتشجيع الإبداع والتفتح.

ويعاقب القانون الجنائي في المغرب العقاب البدني في حق المتعلم، وحقوقيا يعتبر  » إعلان حقوق الطفل » و »اتفاقية حقوق الطفل »  العقاب البدني مسا بكرامته. أما على  المستوى  فالتعنيف النفسي له تأثير سلبي على قابلية المتعلم للاكتساب، وعلى مواظبته واتجاهه نحو المدرسة والمدرسين، وانخراطه في الأنشطة المدرسية، حيث يغيب الحماس والإقبال على الدراسة، وتخبو الرغبة والتلقائية وحافز التعلم… وكلها عوامل هامة، كما هو معروف، في نجاح العمل التربوي، وغيابها يحل محله الخوف والانطواء والكراهة (الصامتة التي قد تنقلب إلى أعمال عنف) ضد المربي والمدرسة . وقد يكون التعنيف الجسدي والمعنوي، من أسباب التعثر الدراسي والهدر(وحتى الانحراف).

ولذا حث علماء التربية والنفس على تجنبه، ودعوا إلى تفهم شخصية الطفل وحاجاته وخصائصه النفسية، واللجوء إلى الأساليب والوسائل التربوية، لمعالجة أخطائه وعثراته، وحتى شيطنته وأفعالِه غير اللائقة .

الأستاذ عبدالقادر كتــرة

رد واحد على

  1. محمد السباعي 2012/12/29 عند 11:27

    تحية للزميل المقتدر السي كترة، ولكنني أتساءل هل يوجد اليوم في المغرب مدرسا يجرأ على مس تلميذ أو ضربه؟ العنف المدرسي اليوم هو في الاتجاه المعكوس، عنف التلميذ على المدرس والأمثلة لا تعد ولا تحصى، آخرها حادث سلا المؤسف.